مقالات

حج مبرور وذنب مغفور وسعي مشكور

الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أنّ محمد رسول الله. الحج عبادة متميزة لأنها عبادة بدنية ومالية ، الصلاة والصيام عبادتان بدنيتان والزكاة عبادة مالية ، الحج عبادة تجمع بين البدنية والمالية ، لأن الإنسان يبذل فيها جهدا ببدنه ، ويبذل فيها ماله لأنه يسافر ويرحل فيحتاج لنفقات ، لذلك نرى الحج هو الفريضة التي ذكرالله فيها من استطاع إليه سبيلا . “وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا” سورة آل عمران آية ﴿97﴾ ، لأن كل إنسان قادر على أن يصلي أو يصوم ، لكن ليس كل إنسان قادرا على أن يذهب إلى الأرض المقدسة ، لذلك كان من رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعله مرة واحدة في العمر. ولذلك عندما قال النبي (ص) :” أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا” قال قائل : أفي كل عام يا رسول الله؟ ، وسكت، وأعاد السؤال، والنبي يسكت، حتى قال عليه الصلاة والسلام : ” لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم “. فأراده الله سبحانه مرة في العمر، فهذا تخفيف من ربنا ورحمة منه عز وجل . الحج فريضة بها كل العبادات ، فيه الصلاة والصيام والصدقة والحج ، ولا يأتي ذلك في غيره. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ابن عباس رضي الله عنهما: ” ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام (يعني أيام العشر)” . أيّام عشر ذي الحجة أفضل الأيّام ، وليالي العشر الأواخر، وأنّ الحرص على العمل الصالح في هذه الأيّام المباركة هو في الحقيقة مسارعة إلى الخير ودليل على التقوى . صيام هذه الأيام أو ما تيسر وبالأخص يوم عرفة ؛ لما رواه مسلم عن أبي قتادة عن النبي (ص) قال: “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده”. ويجب الإكثار من الأعمال الصالحة كالصلاة والصدقة وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي الحج تذلل لله ، وخضوع وانكسار بين يديه ؛ فالحاج يخرج من ملاذ الدنيا مهاجراً إلى ربه ، تاركاً ماله وأهله ووطنه ، متجرداً من ثيابه ، لابساً إحرامه ، كاشفاً عن رأسه ، متواضعاً لربه ، تاركاً الطّيب والنساء ، متنقلاً بين المشاعر بقلب خاشع ، وعين دامعة ، ولسان ذاكر يرجو رحمة ربه ، ويخشى عذابه. ثم إن شعار الحاج من إحرامه إلى حين رمى جمرة العقبة والحلق: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك”. ومعنى ذلك أنني خاضع لك ، منقاد لأمرك ، مستعد لما حملتني من الأمانات ؛ طاعة لك ، واستسلاماً. وهذه التلبية ترهف شعور الحاج، وتوحي إليه بأنه – منذ فارق أهله – مقبل على ربه ، متجرد عن عاداته ونعيمه ، منسلخ من مفاخره ومزاياه. ولهذا التواضع والتذلل أعظم المنزلة عند الله – عز وجل – إذ هو كمال العبد وجماله ، وهو مقصود العبودية الأعظم ، وبسببه تمحى عن العبد آثار الذنوب وظلمتها ؛ فيدخل في حياة جديدة ملؤها الخير، وحشوها السعادة. الحج فرصة عظيمة للإقبال على الله بشتى القربات ، إذ يجتمع في الحج من العبادات ما لا يجتمع في غيره ؛ فيشارك الحج غيره من الأوقات بالصلوات وغيرها من العبادات التي تفعل في الحج وغير الحج. وينفرد بالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ، ورمي الجمار، والحج وسيلة عظمى تحط السيئات ، ورفعة الدرجات . قال النبي (ص) لعمرو بن العاص رضي الله عنه : «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله» والحج أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي (ص): أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل : ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» [رواه البخاري]. قال عليه الصلاة والسلام: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة» [رواه مسلم]. والحاج يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه إذا كان حجه مبروراً، قال النبي (ص): «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» [رواه البخاري ومسلم]. و قد يتذكر الحاج أن مكة هي موطن النبي (ص) ففيها ولد وشب وتنزل عليه الوحي ، ومنها شع نور الإسلام. ويتذكر من سارعلى تلك البطاح المباركة من أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين ، فيشعر بأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة ، وذلك الركب الميمون. ويتذكر الصحابة رضي الله عنهم وما لاقوه من البلاء في سبيل نشر هذا الدين. ويتذكر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس، وأنه مباركا وهدى للعالمين.
دعواتنا للحجاج الذين استطاعوا الحج هذا العام .نسأل الله أن يحسن خواتيمنا وأن ييسرعلينا سكرات الموت وأن يرضى علينا في الدنيا والآخرة. اللهم أدحلنا الفردوس الأعلى بغير حساب ولا سابقه عذاب ، اللهم أصلح أحوال المسلمين وارزقنا قلوباً خاشعة وأعيناً دامعة وألسنتاً ذاكرة وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رَبِّ العَالَمِيِنَ – اللهم آمين – وإلى اللقاء
إعداد أم تامر المصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى