مقالات

مع دستوفسكي .. تصبح القراءة جنونا!

بقلم / مصطفى قنديل

تورونتو/ كندا

كنت شخصيا من أشد المعجبين بدستوفسكي بل كنت مبهورا للغاية بأبطال رواياته و بأسلوب بناء شخصياتهم مثل راسكولينوف ذلك الشاب الجامعي الذكي الذي عبر عن رفضه لظلم المجتمع فقتل المرابية العجوز، فأبطال رواياته يعبرون دائما عن توتر العلاقات الإنسانية وعمق الأزمات الروحية التي يعيشها الإنسان، ورواياته مليئة بالحوارات والأبعاد العميقة كما يكثر فيها أيضا الجرائم .. فكما قال دستوفسكي نفسه أن أبطاله يبحثون دائما عن الحقيقة الأصيلة للحياة.

عاش دستوفسكي حياة ربما كانت شبه عادية حتى إنتهى من دراسته الجامعية وتخرج في كلية الهندسة في منتصف القرن التاسع عشر ثم إلتحق للعمل بالجيش الروسي كضابط مهندس حيث كان والده يعمل هناك أيضا كطبيب، ولم يكن هناك ما يؤثر في شخصيته أو يترك أثرا في نفسه ـ حتى ذلك الوقت ـ إلا نوبات مرض الصرع التي كانت تنتابه بين الحين و الآخر ثم بعد ذلك موت أبيه المفاجئ ـ الذي كان هو الآخر مريضا بالصرع ـ فقد كان سكيرا مدمنا للخمر ومات مختنقا بالخمر في حلقه –

كنت حتى منتصف المرحلة الثانوية لم أتعرف على دستوفسكي إلا من خلال روايته الشهيرتين الإخوة كارامازوف والجريمة والعقاب تلك التي كانت لها في مكتبات القاهرة أنذاك ترجمتان يتم تداولهما أولهما ترجمة الدكتور إبرهيم ناجي – فهو من عشاق دستوفسكي – وكانت من الإنجليزية إلى العربية والأخري كانت ترجمة مباشرة من الروسية إلي العربية وكانت هذه الترجمة قد غزت الأسواق منذ مطلع الستينات عندما إتجهت فيها بصلة السياسة في مصر نحو الإتحاد السوفيتي فأتاحت لنا في الحقيقة الفرصة السانحة للتعرف على عمالقة الأدب الروسي العريق أمثال دستوفسكي وتولستوي وتشيكوف كما أن هذه الروايات وغيرها كانت في الحقيقة تباع بأذهد الأسعار.

في السنوات الأولى من سبعينات القرن الماضي كانت قد صدرت الطبعة السادسة من كتاب الأستاذ أنيس منصور ” حول العالم في ..٢ يوم ” وقد كانت هذه أهم طبعة لهذا الكتاب الشيق الرشيق الممتع والذي كتب مقدمته الدكتور طه حسين وقال أنه قد إستمتع شخصيا بقراءة هذا الكتاب وأنه سوف يعيد قراءته مرة أخرى !!  وأتيحت لي فرصة الذهاب ولقاء الأستاذ أنيس منصور في مكتبه بجريدة أخبار اليوم فقد كنت في الحقيقة منبهرا بالكتاب وكاتبه وأذكر أنه قال لي أنه في هذه الطبعة السادسة قد أعاد كتابه هذا الكتاب كله من جديد من أوله لآخره ! وأذكر أيضا أنني حولت دفة الحديث إلي دستوفسكي فقد كانت عندي أسئلة كثيرة عنه ولكنه بادرني بالسؤال ماذا قرأت له؟ فقلت لم أقرأ سوى الإخوة كارامازوف والجريمة والعقاب فقال إن هاتين الروايتين ركنان مهان عند دستوفسكي ولكن لابد من قراءة بقية أعماله التي كتبها حتى تستطيع معرفته معرفه كاملة فقلت لم أجد له غير هاتين الروايتين فقال صحيح إن بقية أعماله ربما يصعب العثور عليها ولكنها حتما تستحق عناء البحث وخاصة رواية ” ذكريات من منزل الأموات ”

وبالفعل بدأت رحلة البحث عن بقية أعمالة وقراءتها إلى أن وقعت على تلك الرواية ” ذكريات من منزل الأموات ” … وكانت رواية كئيبة قاتمة سوداء مظلمة شخصياتها مليئة باليأس ومنهارة نفسيا وأعتقد أن ذلك كان هو أيضا شعور كاتبها نفسه في ذلك الوقت عندما كان منفيا مسجونا في سيبيريا فهي تدل علي فهم عميق بأغوار النفس البشرية الشديدة التعقيد … إنها رواية تشعر معها إذا أخذت في قراءتها بأنك تعيش في كابوس رهيب يطبق على أنفاسك ولا يوجد سبيل آخر أمامك للخروج من ذلك الكابوس سوى الإنتهاء من قراءتها وليس تركها !! فقد كان دستوفسكي قد تعرف على أحد المثقفين الروس الذين كانوا ينادون بالفكر الإشتراكي الذي كان نجمه قد بدأ يبزغ في روسيا في ذلك الوقت وبدأ يلاقي رواجا بين الشباب فقد كانوا متأثرين أشد التأثر بأفكار المفكر والفيلسوف الفرنسي شارل فورييه الذي كان يدعو إلى – ويقدم أفكارا – لتغيير العالم كله وإقترح نموذجا بإنشاء ” مستعمرة تعاونية ” يعمل فيها الكل من أجل مصلحة الجماعة وكان في ذلك سابقا لكارل ماركس – لم تنجح هذه النظرية آنذاك ولكنها كانت هي البداية لتأسيس ماعرف بعد ذلك في فرنسا بالهيئات التعاونية ومنها إنتقلت إلى العالم كله بعد ذلك ونجحت في بعض البلدان وفشلت في بلدان أخري منها الولايات المتحدة –  ولذلك يمكن القول بأن فورييه كان هو من غرس بذرة الإشتراكية في روسيا القيصرية في ذلك الوقت إلى أن أتت أكلها بعد ذلك في بداية القرن العشرين ثورة شاملة إكتسحت روسيا على يد البلاشفة.

قبضت الشرطة على دستوفسكي وأغلب من معه من الشباب في ذلك الوقت وحكم عليه بالإعدام ولكن تم تخفيف الحكم بعد ذلك إلى أربع سنوات من الأشغال الشاقة في سيبيريا وهناك رأي دستوفسكي منصات الإعدام وعايشها عن قرب وظلت مناظرها تلازم خيالاته وتتراءى أمامه بقية عمره كما قال بعد ذلك وقد وصفه في روايته ” ذكريات من منزل الأموات ”

لقد كانت روايات وأفكار دستوفسكي تشكل مصدرا للإلهام لأجيال من الكتاب والمفكرين  حول العالم فعندنا من كتاب اللغة العربية لابد وأن نذكر نجيب محفوظ فهو ولا شك من أشد المتأثرين بدستوفسكي ويبدو هذا جليا واضحا في روايته الخالدة اللص والكلاب – تعتبر من أشهر أعماله بعد الثلاثية ونشرت عام ١٩٦١- ثم تأكد ذلك أيضا في رواية الطريق عام  ١٩٦٤

رواية ” الإخوة كارامازوف ” كانت أخر أعمال دستوفسكي واستغرق كتابتها حوالى عامين ثم توفي بعد أقل من أربعة أشهر على نشرها عام ١٨٨١ وعند صدورها مدحها كبار المفكرين حول العالم – مثل سجموند فرويد وأينشتين – بل وأسهبوا في الثناء عليها كواحدة من أعظم الإنجازات التي يمكن أن يقدمها الإنسان للأدب العالمي وقال الشاعر الألماني جوته إن العظمة عند دستوفسكي تختلف عن العظمة عند سائر الأدباء إذ أنهم يبلغون العظمة عند الوصول إلي غاياتهم أما دستوفسكي فهو عظيم رغم أنه لم يبلغ غايته بعد فقد كانت السنوات الأربع التي عاشها سجينا في سيبيريا قد أثرت في نفسه أشد التأثير وما أدراك ما هي سيبيريا وخاصة في أيام القيصر الروسي نيكولاي الثاني فقد كان يسجن أو قل يدفن المعارضين في سراديب مكتظة تحت الارض وكان دستوفسكي يعيش واقفا فقط كأنه في تابوت – كما يقول – ولا يستطيع حتى أن يدير رأسه من شدة الزحام أما عن الصقيع وقذارة تلك السراديب فحدث عنها ولاحرج .. قمل .. براغيت .. خنافس ..المخلفات البشرية تعلو فوق الأرض اللزجة ورغم ذلك كانوا يتحدثون عن الحرية ويصفون ألوان قوس قزح بعد سقوط المطر ويناقشون وجود الله!!

وبعد أن غادر سيبيريا عاش بعد ذلك مريضا مصروعا تحاصره الديون من كل جانب ويدق بابه الدائنون كل صباح ثم موت طفله الصغير بعد أن إشتد عليه الصرع فقد كان مرضا مزمنا وراثيا في تلك العائلة – دستوفسكي كان مصروعا وكذلك والده وكذلك كان جده – ويجدر لنا أن نذكر هنا رواية ” المراهق ” لأنها أيضا رواية ذاع صيتها – نشرت قبل وفاته ربما بست سنوات – وتضاربت الأراء بشأنها فمنهم من قال أنها قمة الإعجاز ومنهم من قال إنها فوق مستوى النقد ومنهم من قال إنها عبارة عن ” فوضى مدمرة ”

كانت هذه هي قصة دستوفسكي الذي قال على لسان راسكولينكوف بطل ” الجريمة والعقاب ” ” كيف يمكنك أن تعيش دون أن يكون لديك قصة ترويها ” وقال في رواية ” المساكين ”

” أن الألم والمعاناة أمران لا مفر منهما للوصول لقلب كبير ولهذا فهناك أمر واحد أخشاه

وهو ألا أكون جديرا بمعاناتي ”

فلعله كان يروي قصته على لسان أبطاله ولكن من المؤكد أنه قد ولد وخرج إلى هذه الدنيا من رحم الألم والمعاناة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى